القاضي عبد الجبار الهمذاني
485
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وبعد ، فإنه تعالى لو مكن من ذلك من غير أن يتضمن العوض أو الانتصاف لكان التمكين يقبح ، لأنه يقتضي إثبات ظلم لا يحصل ما يقوم مقامه بالمظلوم . فلما بطل ذلك ، علم أن ماله حسن ذلك تضمن العوض فيه . فلا بد من أن يكون منتصفا فيه للمظلوم . والانتصاف لا يصح إلا وقد لزم الظالم العوض على ما نبين تفصيله من بعد . وبعد ، فقد ثبت أن العاقل لا يحسن منه أن يضر بنفسه في عمل غيره إلا بعوض وبدل فامتناعه من ذلك « 1 » واجب عليه لولا العوض . فكذلك يجب منع الظالم من ظلمه . وإذا فات المنع فواجب الاستدراك برد العين أو ما يقوم مقامها « 2 » . يبين ذلك أن أحدنا لو أضر بنفسه من غير عوض ؛ فلو لم يمكن من تحصيل عوضه على جهة الاستدراك ، لوجب ذلك كما يجب بالعقد والشرط . وإذا صح ذلك في الظلم ، فواجب أن يكون العوض فيه ثابتا على كل حال . وقد بينا من قبل مفارقة استحقاق العوض للعقاب والذم ، وأنه لا يجوز أن ينتفى من حيث ينتفيان ، ويثبت من حيث يثبتان . وذلك يسقط تشبيه السائل ذلك بالعقاب والذم . وأما ظنه أن ذلك يجرى مجرى تكليف ما لا يطاق فبعيد ، وذلك لأن المضر بغيره لا بد من أن يكون مستحقا على اللّه تعالى الأعواض العظيمة فيما ناله من الغموم والمصائب والأمراض والأسقام . وما يستحقه على اللّه تعالى كأنه حاصل له وكأنه مالكه . فكما لو كان مالكا لذلك ويده تحتوى عليه ، لصح وجوب العوض عليه / بأن ينقل ما في يده . فكذلك إذا كان يستحق مثله على اللّه سبحانه ، ألا ترى أنه لا فرق في صحة وجوب الحق على زيد لعمرو ، وبين أن يكون في ملكه
--> ( 1 ) أي من الضرر . ( 2 ) في الأصل مقامه .